

لكن، كما ان هناك مفاهيم أساسية اصبحت جزءا من البناء المعرفي الحديث، فإن هناك مفاهيم ملازمة تشير الى العوائق المعرفية و الانقطاعات المعرفية . هذان المفهومان على وجه التحديد قدمهما فيلسوف المعرفة الفرنسي جاستون باشلار ويحدد فيهما الدور الذي تلعبه الاهواء والمعتقدات الشخصية وكذلك المصالح الذاتية فى تزييف القضايا المعرفية، بالاضافة الى ذلك طبيعة دور العادات والافكار الكامنة فى الثقافة العامة فى مقاومة الموضوعية العلمية و التفكير العقلاني. لا يمكن الحديث عن معرفة علمية أو انسانية بشكل عام دون الحديث عن عملية انتاج هذه المعرفة ودور العامل الانساني والاجتماعي وكذلك التكوين النفسي فى عملية انتاج هذه المعرفة. المعرفة الموضوعية تتطلب " الغاء " أو انتفاء العامل الشخصي (الذاتي) واللجوء الى التجريد العقلاني للقضايا والظواهر موضع البحث. فى نفس الوقت الذي يجب الانتباه فيه الى التأثير السلبي لهذه العوامل الذاتية والمصلحية على موضوعية المعرفة والتفكير العلمي، فإن دور الخيال والتخيل كمحرك لعملية الابداع العلمي وكذلك الابداع الشعري والادبي لا يمكن ان يزدهر إلا فى ظل حرية الفكر والتفكير، حرية البحث والفهم، حرية التعبير والممارسة. كم هو محزن حقا هذا الجدال الزائف الذي شغل النخب المصرية خلال الايام السابقة ! لم تهتم هذه النخب بنفس القدر من الجدية بقضية بالغة الخطورة حدثت فى وسط البلد اول وثاني ايام عيد الفطر الماضي رغم ما تحمله من دلالات بالغة التحذير لما هو كامن تحت السطح! لم نسمع عن جدل او مناقشات فكرية او حتى ثقافية عامة حول قضايا تتعلق بالاكتشافات العلمية الحديثة فى الفزياء والكيمياء المعاصرتين او عن النتائج الفلسفية والمعرفية للنظريات العلمية الحديثة فى هذه المجالات وغيرها من مجالات العلم الحديث. حتى القضايا الفلسفية او الفكرية التى يغرق فيها العالم الآن لاهثا وراء الاكتشافات المتسارعة فى مجالات التكنولوجيا المتقدمة وتأثير ذلك على شكل وطبيعة التغيرات التى تشهدها وستشهدها المجتمعات فى المستقبل القريب، كل ذلك اختفى وغاب وراء الحجاب ! اما الفلاسفة الذين لايزالون يمتهنون حرفة الكلام وتفصيل القواعد وحجب ما هو اخطر من الحجاب لعلهم لايدركون ان فلسفاتهم هذه لم يعد لها وجود، وفى هذا العصر اصبح العلم هو الذي ينتج الفلسفة
* * *

تلميذات فى انتظار المترو
بدون تعليق
فى نهاية هذه المحاولة لفهم ماجرى، ربما بشكل مختلف، هناك عدة ملاحظات قد تكون مفيدة للقارئ المهتم بتأمل بعض مايحدث من حوله الان وعلاقة ذلك بأشياء اخرى لاتثار لانها تتخفى وراء حجاب اشد خطرا من الحجاب اياه
***
فى المجتمعات التى تتميز باستفحال الازمات الاقتصادية والاجتماعية وتخضع لهيمنة نظم سياسية لاتسمح بتعددية سياسية حقيقية وبتبادل ديموقراطي للسلطة، تصبح امكانية الحصول على المعارف والمواد الثقافية المتنوعة محصورة فى قلة قليلة جدا ان لم تكن مستحيلة. نتيجة لذك يصبح المصدر الاساسي للثقافة العامة محصورا فى مجالين فقط هما التعليم والاعلام. فى مجال التعليم المدرسة هى مصدر مايتلقاه الفرد منذ سن السادسة وحتى نهاية الفترة الالزامية للتعليم ( نظريا على الاقل اذا ماستبعدنا نسبة التسرب التعليمي وهى عالية ). فى مجال الاعلام يأتي جهاز التلفزيون على قمة ادوات الاعلام التى تصل بسهولة الى جميع افراد المجتمع تقريبا، تلي ذلك الصحف اليومية والدورية وهى فى مجموعها لاتقارن من حيث الاهمية الكمية بعدد مشاهدي التليفزيون. اذن سنكتفي هنا بملاحظتين حول المصدرين الاساسيين للثقافة العامة فى مجتمع مثل المجتمع المصري :1
اولا - المصدر الاول وهو التعليم الاساسي اى المدرسة والسؤال الذى يطرح يتعلق اساسا بما تقدمه المدرسة من ثقافة علمية اى ان السؤال يتعلق بشكل اشمل بقضية برامج او مناهج التعليم. ماهى المواد التى تدرس فى المدارس على مختلف المستويات ؟ ماهى مناهج او طرق التدريس المتبعة ؟ كيف يتم تكوين المدرس (علميا وتربويا...) وماهى اوضاعه الوظيفية (الاقتصادية والاجتماعية) ؟ من الممكن ان نستمر فى طرح العديد من الاسئلة لكن هدفنا هنا ليس بطبيعة الحال ان نناقش تفصيلا هذا الموضوع وانما نريد فقط التنبيه الى ان المدرسة بما تقدمه من معلومات وبالطريقة التى تقدم بها هذه المعلومات تلعب دورا رئيسيا فى تشكيل " الثقافة العامة السائدة " . حتى تكون اهمية وخطورة هذه المسالة واضحة للقارئ يكفى القاء نظرة على ماتحتويه برامج التعليم ليس فقط على مستوى التعليم الاساسي وانما على مستوى التعليم الجامعي. ان مايقدم فى كليات الاداب فى اقسام الفلسفة والعلوم الاجتماعية على سبيل المثال يعكس بوضوح غياب كامل للتفكير العلمي الموضوعي وللعقلانية فى تطبيق المعارف التى تقدم للطلاب. ان تعالج نظريات التطور والنظريات العلمية التى تشكل البناء المعرفي للعالم الذى نعيش فيه بخفة شديدة واهمال ( وبتفسيرات دينية لاعلاقة لها بمجال التخصص) فى مناهج الفلسفة بالجامعات فان ذلك كاف لفهم جزء من الاجابة على السؤال الخاص
بعودة الافكار المتخلفة اللاعلمية واللاعقلانية للظهور والانتشار من جديد
ثانيا - الاعلام اى التلفزيون على وجه التحديد وهو اهم واخطر مصدر للثقافة العامة فى المجتمع, عندما نتحدث عن التلفزيون فاننا نقصد مايقدمه من برامج بشكل عام ومن برامج علمية وثقافية بشكل خاص. التلفزيون يصل تقريبا الى كل فرد. من يتحكم فى التلفزيون يتحكم فى تشكيل والسيطرة على المصدر الاساسي للثقافة العامة. اذا كانت الثقافة العامة بما تحويه من خليط الافكار والقيم السائدة هى الارض التى يلجأ اليها هؤلاء الذين يقاومون التقدم ويحاربون كل ماهو علمي وعقلاني فان التلفزيون يقدم لهم هذه الامكانية بهيمنة ساحقة. كذلك وحتى لاتتحول هذه الملاحظات عن هدفها اذكر هنا مثاليين فقط يمكن ان يعبرا بشكل واضح للغاية عن الدور الذى يقوم به التلفزيون فى تشويه الثقافة العلمية وترسيخ الجوانب الغيبية والمتخلفة فى الثقافة العامة، أي كيف ان التلفزيون قد اصبح عائقا أمام المعرفة
المثال الاول هو ذلك البرنامج (العلمي) الذي يقدمه منذ سنوات طويلة كاتب وصحفى معروف. فى هذا البرنامج يتم عرض حلقات تم وضع مادتها العلمية من قبل علماء ومتخصصين وتم تصويرها والتعليق عليها علميا من قبل افراد مؤهلين تم اختيارهم من قبل شركات الانتاج والمراكز العلمية المتعاونة معها. هذه البرامج المستوردة من الدول الاوروبية بالاضافة الى امريكا واليابان يتم عرضها بعد تفريغها من المادة العلمية الاصلية (الاحتفاظ بالصورة مع حذف التعليق العلمي)، بعد ذلك يقوم مقدم البرنامج بتقديم تعليقه الشخصي على الصور التى يقدمها البرنامج. هذا التعليق يرتكز اساسا الى مرجعية دينية وهو عبارة عن تفسير ديني شخصي بحت من تصور واسقاط الكاتب لا علاقة له بالبرنامج الأصلي
2 - المثال الثاني وهو معروف جدا بحكم انتشاره الواسع واستمراريته منذ سنوات طويلة ايضا هو برنامج يقدمه داعية ديني مشهور يتناول فيه تفسيره الديني لكل شئ فى الحياة وهو بطبيعة الحال برنامج يكرس التفكير الغيبي
والقدري ويلغى من عقول المشاهدين اية امكانية للتفكير النقدي التأملي العلمي والعقلاني هذان المثالان كافيان لاعطاء صورة عن الوضع الحالي لاهم واخطر مصدرين من مصادر الثقافة العامة فى مجتمع مثل المجتمع المصري، ولن اشير الى الموضات الجديدة التى انتشرت على القنوات الفضائية والمعروفة بالدعاة التلفزيونيين والفتاوي التلفزيونية التى تتنافس على تقديمها القنوات الرسمية والخاصة. بعد ذلك عندما تظهر موجات التخلف الفكري والتطرف والتعصب الديني وتنتشر فى المجتمع هل يمكن لنا ان نتعجب ؟ ان الاسباب تؤدى دائما الى النتائج، الاسباب هنا واضحة وايضا النتائج التى لايستطيع انكارها احد. بالطبع ان مانهدف اليه هنا يتوقف عند محاولة رصد بعض الظواهر والاشارة الى بعض الامثلة التى قد تساعد القارئ الذى لايزال يمتلك القدرة على التفكير النقدي والتأمل وطرح الأسئلة بل والقدرة على الدهشة، ان يحاول فهم ظواهر الواقع الذى يعيش فيه، اما معالجة وتحليل هذه الظواهر وتلك الامثلة فهى تحتاج الى دراسات متعددة تدخل فى مجالات تخصص مختلفة ربما يوجد من بين القراء من يستفز فيجرى الدم فى عروقه ويخلع عن نفسه ثوب اللامبالاة والكسل العقلي والاستسلام القدري لما وصلت اليه الاوضاع فى المجتمع المصري، مرة اخرى المقدمات تؤدي حتما الى نتائج وما نشهده الآن هو نتيجة لما كان يتم منذ عقود، من المسئول عما حدث؟ من الذي كان يتولى مسئولية وضع السياسات الثقافية والتعليمية والاعلامية خلال العقود الثلاثة الاخيرة؟ من الذي كان يقوم بتنفيذ هذه السياسات التى شكلت "الوعى العام والثقافة العامة" السائدة فى المجتمع المصري حاليا؟

كم سيكون المشهد مثيرا للدهشة والسخرية عند نهاية العرض عندما يصل المحقق الذي لايزال يتمتع ببعض الخيال الى اكتشاف ان القاتل هو الضحية ! وان الجريمة مستمرة ! ان الكل مشارك فيما حدث ولازال يحدث! ان ما هو آت أفدح ! وانه لم يعد هناك وقت للاستمرار فى هذا العبث لان القضية تحولت الى قضية ان نكون او لانكون!








































