تداعيات حول ما حدث
بدايات وعي جديد
بين يونيو 67 و فبراير 68 شهد المجتمع المصري حراكا ومراجعات فكرية عميقة تناولت كافة المفاهيم التى سادت طوال الخمسة عشر عاما السابقة على هذا التاريخ. استدعاء ما شهده المجتمع المصري من حراك وحشد للطاقات الكامنة وانطلاق لقواه الحية لمواجهة أسواء هزيمة عسكرية فى تاريخه المعاصر هو نموذج مثالي على الامكانيات الهائلة الكامنة فى المجتمع المصري وقدرته على الامساك بزمام الامور لمواجهة التحديات التى تعجز السلطة السياسية عن مواجهتها وربما كانت طبيعة هذه السلطة أحد العوامل الاساسية فى حدوثها.
ثمانية شهور هى من اصعب واخصب ماشهدته مصر فى تاريخها المعاصر، بين صدمة وهزيمة يونيو العسكرية الثقيلة وبداية نهاية نظام يوليو السياسي بالشكل الذي ظل سائدا منذ عام 52 . التحليل الوصفي الذي يقف عند المظاهر أو الاحداث التى تجرى على السطح دون الغوص بحثا عن جذور ومنابع هذه الاحداث لايقدم الحقيقة بل يشارك فى التواطؤ من اجل حجبها حتى وان كان مضطرا الى اظهارها فقط حتى يستطيع احتوائها ثم تفريغها من مضمونها واخيرا الالتفاف حولها واستعادة الهيمنة والسيطرة من جديد وكأن شيئا لم يكن ! هذا ماحدث بالضبط فى مصر منذ هزيمة يونيو ونهاية يوليو ومجئ اكتوبر وصولا الى طوابير وحوادث القتل من اجل الحصول على رغيف الخبز فى مصر فى العقد الاول من القرن الحادي والعشرين !! لكن تناول ذلك بالتحليل قد يخرجنا عن موضوع هذا العدد والاعداد القادمة من خان الخليلي وهو ما الذي حدث فى 1968 بداية فى مصر ثم بعد ذلك فى جميع ارجاء العالم تقريبا. نأمل ان نعود الى تناول ذلك فى بحث مستقل هو موضوع دراسة قدمت لجامعة السربون عن الانتفاضات الشعبية فى مصر منذ 67 وحتى 81 وهو تاريخ اغتيال السادات، لكن الوقت لايتسع حاليا للتفرغ الى هذا العمل لأن الدراسة بالفرنسية وإعدادها ككتاب باللغة العربية لن يكون مجرد ترجمة.
1968
مسرح الاحداث
المنطقة الصناعية فى حلوان
جامعة القاهرة
أصدرت المحكمة العسكرية احكاما بالسجن بحق الفريق محمود صدقي قائد سلاح الطيران ومعه مجموعة من الضباط عتبرت مخففة :
صباح الحادي والعشرين من فبراير 68 انطلقت مظاهرات كبيرة من مصانع الطيران بالمنطقة الصناعية فى حلوان. على الفور قامت قوات الامن بقطع المواصلات الرئيسية بين حلوان ومدينة القاهرة والمتمثلة فى خط المترو الوحيد وكذلك قامت بقطع الطريق البري الممتد على كورنيش النيل من خلال الحواجز الامنية.
فى نفس الوقت وبشكل متزامن تجمع الالاف من طلاب جامعة القاهرة داخل الحرم الجامعي وفى الجهة المقابلة داخل كلية الهندسة. اتجهت التجمعات داخل الحرم الى المدرج الكبير بكلية الاداب الذي امتلأ عن آخره وامتدت التجمعات خارج المدرج فى كل الممرات المؤدية اليه كما تجمع آلاف اخرين امام القاعة الرئيسية لدامعة القاهرة .
توالت الخطب والكلمات على منصة المدرج من كافة الاتجاهات الفكرية والسياسية وسط استماتة فاشلة من اعضاء وممثلي الاتحاد الاشتراكي ومنظمة الشباب الاشتراكي لتهدئة المناخ ومنع تطور الاحداث.
أثناء ذلك الصراع على اخذ الكلمات من على المنصة وصلت احدى العاملات من مصانع الطائرات فى حلوان واعتلت المنصة لتخبر المجتمعين بما حدث فى منطقة حلوان قبل ساعات ومن قطع قوات الامن للطرق والمواصلات بين مدين القاهرة ومنطقة حلوان وان هناك مصادمات بين قوات الامن وعمال المصانع الحربية فى حلوان.
التهب حماس المدرج وتداخلت الاصوات وتعالت بين محاولات ممثلي الاتحاد الاشتراكي أى الحزب الحاكم الحاكم ومنظمة الشباب التهدئة ومنع التجمعات من الخروج في مظاهرات ومواجهة بعض من اعتلوا المنصة من اصحاب الخطاب الديني الذين حاولوا ارجاع اسباب الهزيمة الى غضب الله والخروج عن تعاليم الاسلام. لم ينجح كلا الفريقين امام طوفان الحشود الكبيرة وتحركت التجمعات نحو البوابة الرئيسية لجامعة القاهرة لتى اغلقتها قوات الأمن فى محاولة يائسة لمنع خروج المظاهرة كما ظل مسؤلي الاتحاد الاشتراكي ومنظمة الشباب وضباط المباحث يستميتون فى عرقلة او تاخير خروج المظاهرة لكن كل ذلك باء بالفشل وفتحت البوابة الرئيسية للجامعة واتجهت المظاهرة الى الجانب المقابل حيث كان نفس المشهد يتم في كلية الهندسة التى اغلقت ابوابها ووقف عدد من المسئولين واعضاء الاتحاد الاشتراكي ورجال الامن فى الصف الاول مستميتين فى عدم فتح بوابة كلية الهندسة, لم تصمد بوابة كلية الهندسة امام الحشود الهائلة وتراجع رجال الاتحاد الاشتراكي ومنظمة الشباب وكان على رأسهم احد كبار رجال الاعمال الحاليين فى مصر.
التقت جموع كليات الحرم الجامعي مع جموع طلاب كلية الهندسة وتحركت مظاهرة حاشدة من امام الجامعة متجهة الى كوبري الجامعة ثم كلية طب القصر العيني حيث انضم طلاب الطب اليها وتوجهت بعد ذلك الى شارع القصر العيني مرورا بمجلس الأمة فى ذلك الوقت والذي كان يرأسه أنور السادات واستمرت بعد ذلك وأعدادها تتزايد مع انضمام المواطنين اليها متجاوزة ميدان التحرير وشارع طلعت حرب حتى وصلت مقدمة المظاهرة التى تفرعت الى عدة مظاهرت الى ميدان المساحة حيث كانت اعداد كبيرة من قوات الامن تحمي مبنى مؤسسة الاهرام فى شارع مظلوم بجوار مبنى الاذاعة الذي كان يقع فى شارع الشريفين خلف مبنى الاهرام. دارت المعركة أو المواجهة الرئيسية بين طلائع المظاهرة وقوات الامن أمام مبنى الاهرام الذي كان يجسد رمز إعلام وصحافة النظام وكان نصيب محمد حسنين هيكل من الهتافات والشعارات القاسية كبيرا وهو بحق كان يجسد ربما عن ايمان وليس انتهازية كما يحدث اليوم ما يمكن ان تقوم به الصحافة الملحقة بالنظام السياسي _ من الغريب ان الاهرام ومجموعة الصحف المعروفة بالقومية وهو الاسم الكودي لصحف الحزب الحاكم تقوم بنفس الدور على الرغم من التغيرات التى حدثت فى الوسط الاعلامي والصحفي نتيجة عوامل كثيرة خلال الاربعين عاما الماضية_ .
تفرقت المظاهرة من امام مبنى الاهرام فى المساء فى نفس الوقت الذي كانت تتفرق فيه مظاهرات أخرى تفرعت عن المظاهرة الرئيسية.
مع حلول الفجر قامت قوات مباحث امن الدولة بجملة اعتقالات واسعة شملت من اعتبروا قادة لهذه الاحداث ومعهم بضع مئات من المشاركين فى المظاهرات. استمرت المظاهرات فى الايام التالية واضيف الى مطالبها وشعاراتها التى سنعرضها فيما بعد مطلب جديد هو الافراج الفوري عن الطلبة المعتقلين. كان كاتب هذه السطور من بين الذين اعتقلوا فجر اليوم الاول ولذا لم يسعده الحظ فى المشاركة فى المظاهرات التى استمرت بعد ذلك لعدة ايام لم تشر الصحافة القومية اليها الا بعبارات مقتضبة تتحدث عن قلة مندسة تثير بعض القلاثل !!. نقل 63 ممن اعتبروا قادة الحركة الى معتقل القلعة حيث كان يحتجز(ربما لحمايتهم) رئيس البوليس الحربي حمزة البسيوني وشمس بدران الساعد الايمن للمشير عامر وآخرين من كبار مسئولي هذه الفترة واللقاء مع الهؤلاء يحتاج الى عرض خاص لطرافته واهميته فى نفس الوقت وهذا يخرج عن موضوع اليوم.
المطالب والشعارات
اذا كان يمكن الحديث مع بعض التجاوز عن برنامج أو جنين برنامج سياسي لانتفاضة فبراير 68 يمكننا ان نقول مع كثير من التأكيد والموضوعية ان هذا البرنامج الذي لم يكن قد تبللور بعد هو نفس البرنامج السياسي الذي ترفعه القوى الديموقراطية والوطنية فى مصر اليوم !! بدءا من الخطب والكلمات التى القيت فى المدرج الكبير بكلية الآداب مرورا بالهتافات التى سادت المظاهرات الحاشدة كانت العناصر الاساسية هي:
الغاء هيمنة الحزب الحاكم على السلطة (الاتحاد الاشتراكي فى ذلك الوقت).
الحريات الديموقراطية وحرية تكوين الاحزاب والنقابات العمالية والمهنية وحرية التعبير والتجمع والتظاهر وحرية الصحافة بعيدا عن سيطرة النظام (الحزب الحاكم).
انشاء اتحاد طلابي مستقل عن السلطة السياسية.
رقابة شعبية على الأجهزة الأمنية وعدم تدخل هذه الاجهزة فى الشؤون الجامعية والطلابية.
بعض المطالب رفعها اعضاء الاتحاد الاشتراكي ومنظمة الشباب بضرورة إجراء انتخابات حرة لاختيار اعضاء الحزب ومنظمة الشباب من القاعدة الى القمة (وهى مطالب اعضاء الحزب الوطنى اليوم !).
بجانب المطالب الديموقراطية كانت هناك مطالب تتعلق بالقضية الوطنية كما كانت تعرف فى ذلك الوقت وتمثلت فى المطالبة بتكوين مليشيات شعبية من العمال والطلاب لمحاربة المحتل وتشكيل كتائب للمقاومة الشعبية فى الاحياء وتبنى استراتيجية الحرب الشعبية التى كانت تمثلها فى ذلك الوقت المقاومة الفيتنامية. المطالبة بمحاكمة حقيقية للمسئولين عن الهزيمة فى كافة المواقع وليس فى سلاح الطيران فقط.
أما المطالب الاقتصادية فكانت برغم عموميتها لاتختلف كثيرا عن بعض ما نشاهده حتى اليوم:
الغاء هيمنة العسكريين على المؤسسات الاقتصادية والمدنية والقطاع العام.
زيادة المرتبات ووضع حد ادنى للأجور بحيث لايزيد الفرق بين اعلى وأدنى مرتب عن عشرة أضعاف.
الرقابة الشعبية على المؤسسات الاقتصادية والجمعيات التعاونية الزراعية.
أما الشعارات والهتافات التى رددتها المظاهرات فكانت_ البوليس عدو الشعب_ يسقط هيكل_ انور انور ياسادات فين الحريات_ حل مجلس الأمة مجلس العجزة_ الخ.
بعد هذا العرض الموجز جدا لبعض وقائع ماحدث فى 68 تطرح اسئلة منطقية سنحاول الاجابة عليها فى العدد القادم ومنها:
ماهية التركيب الاجتماعي السياسي لانتفاضة فبراير 68 ؟
ماهى النتائج السياسية والاقتصادية والاجتماعية التى ادت اليها انتفاضة فبراير 68 ؟
ماذا كان موقف النظام السياسي فى ذلك الوقت منها وتحديدا موقف عبد الناصر ؟
هل حدث تغير حقيقي فى مصر منذ انتفاضة فبراير 68 ؟ ام ان الامر لايتعدى تنويعات على نفس النظام الذي بدأ فى يوليو 52 ؟ أم ان المجتمع والنظام السياسي فى مصر قد عاد الى اوضاع ماقبل 1952 ؟
على هذه الاسئلة وغيرها سنحاول ان نبحث عن بعض الإجابات فإلى اللقاء.






















