KHAN ELKHALILI

mercredi, mai 31, 2006

رسالة من ابن خلدون

عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمي

ن

كان من المقترض ان نستكمل نتائج الدراسة الخاصة ببنية و آليات انتاج العنف السياسي الاجتماعي فى مصر فى هذا العدد، لكن نظرا لورود رسالة عاجلة من العلامة ابن خلدون الذي يقع قبره على مسافة ليست بعيدة من خان الخليلي يلح فيها على نشر فصول معينة من كتابه << تاريخ ابن خلدون>> مبديا اندهاشة من حالة النفاق التى ظهرت فجأة بمناسبة الاحتفال بذكرى ستمائة عام على تركه هذه الحياة الدنيا ومشددا فى نفس الوقت على عدم ذكر كيفية وصول رسالته الى خان الخليلي لأسباب أمنية ! أشار ابن خلدون الى الإهمال الذي لقيته كتاباته من بني جلدته كما ابدى شكره وإعجابه للإهتمام الكبير الذي حظيت به هذه الكتابات لدى أهل الفرنجة مما أدى الى ظهور علم التاريخ وعلم الاجتماع على ايديهم وليس على ايدى أهله وأبناء جلدته. أشار ابن خلدون كذلك الى بعض المسائل التفصيلية التى تتعلق بقبره وكيف انه مهمل لا يعرف أحد مكانه كما احاطت به العشوائيات من الدويقة ومنشية ناصر الى الضوضاء والتلوث الرهيب الذي لا يسمح له بالرقاد بسلام فى قبره كما انه لايستطيع استقبال أي من تلامذته ومريديه نظرا لعدم وجود مكان لائق لاستقبالهم وغياب قاعة المكتبة التى يمكن ان تضم اعماله والاعمال التى كتبت وأخذت عنه. وعد ابن خلدون ان يبعث برسائل بين وقت و آخر الى خان الخليلي ليذكر فيها بما كتبه منذ اكثر من ستة قرون وكيف ان آرائه وتحليلاته قد تم اختبار صحتها وسلامة بنيانها منذ سقوط الاندلس فى القرن الخامس عشر وحتى سقوط بغداد فى مطلع القرن الحادي والعشرين . وينبه ابن خلدون بشدة الى ان سقوط عواصم امصار أخرى ليس إلا مسألة وقت اذا ما استمر الحال على ما هو عليه لأن تغلغل الاعداء واختراقهم لمواقع القرار فى الامصار المختلفة قد بلغ حدا هائلا وأن الاعلان الرسمي عن سقوط هذه العاصمة أو تلك لن يكون بالضرورة بالشكل الذي سقطت به بغداد ولا بالطريقة ذاتها. وفى نهاية رسالته أشار الى لفافة بها بعض من فصول كتابه طلب نشرها فى خان الخليلي ليذكر بها فهو لا يطمع فى شئ إلا ذلك عسى ان تنفع الذكرى

أردت من هذه العجالة ان أعلم القارئ ومن يتابع خان الخليلي بهذا التغيير على وعد ان نستأنف بقية التحليلات الخاصة ببنية وآليات إنتاج العنف السياسي الاجتماعي فى مصر قريبا جدا.1
سنبدأ فى نشر مقتطفات من رسالة ابن خلدون الى خان الخليلي وكذلك الفصول التى أشار الى نشرها خلال اليومين القادمين فإلى اللقاء.1

هكذا تحدث ابن خلدون


نبدأ فى نشر فصول من <<تاريخ ابن خلدون>> كما وعدنا من قبل. الفصول تم اختيارها من الجزء الأول لتاريخ ابن خلدون وسننشر تباعا مقتطفات من الرسالة الافتراضية التى بعث بها ابن خلدون الى خان الخليلي وما سيصل الينا منه من ملاحظات او تعليقات حول ما آلت اليه احوال الامصار. اليكم الفصل الذي تم اختياره لهذا العدد. 1
الظلم مؤذن بخراب العمران
اعلم أن العمران على الناس في أموالهم ذاهب بآمالهم في تحصيلها واكتسابها لما يرونه حينئذ من أن غايتها ومصيرها انتهابها من أيديهم وإذا ذهبت آمالهم في اكتسابها وتحصيلها انقبضت أيديهم عن السعي في ذلك‏.‏ وعلى قدر الاعتداء ونسبته يكون انقباض الرعايا عن السعي في الاكتساب فإذا كان الاعتداء كثيراً عاماً في جميع أبواب المعاش كان القعود عن الكسب كذلك لذهابه بالأمال جملة بدخوله من جميع أبوابها‏.‏ وإن كان الاعتداء يسيراً كان الانقباض عن الكسب على نسبته‏.‏ والعمران ووفوره ونفاق أسواقه إنما هو بالأعمال وسعي الناس في المصالح والمكاسب ذاهبين وجائين‏.‏ فإذا قعد الناس عن المعاش وانقبضت أيديهم عن المكاسب كسدت أسواق العمران وانتقضت الأحوال وابذعر الناس في الأفاق من غير تلك الإيالة في طلب الرزق فيما خرج عن نطاقها فخف ساكن القطر وخلت دياره وخربت أمصارة واختل باختلاله حال الدولة والسلطان لما أنها صورة للعمران تفسد بفساد مادتها ضرورة‏.‏ وانظر في ذلك ما حكاه المسعودي في أخبار الفرس عن الموبذان صاحب الدين عندهم أيام بهرام بن بهرام وما عرض به للملك في إنكار ما كان عليه من الظلم والغفلة عن عائدته على الدولة بضرب المثال في ذلك على لسان البوم حين سمع الملك أصواتها وسأله عن فهم كلامها فقال له‏:‏ أن بوماً ذكراً يروم نكاح بوم أنثى وإنها شرطت عليه عشرين قرية من الخراب في أيام بهرام فقبل شرطها وقال لها‏:‏ إن دامت أيام الملك أقطعتك ألف قرية وهذا أسهل مرام‏.‏ فتنبه الملك من غفلته وخلا بالموبذان سأله عن مراده فقال له‏:‏ أيها الملك إن الملك لا يتم عزه إلا بالشريعة والقيام لله بطاعته والتصرف تحت أمره ونهيه ولا قوام للشريعة إلا بالملك ولا عز للملك إلا بالرجال ولا قوام للرجال إلا بالمال ولا سبيل إلى المال إلا بالعمارة ولا سبيل للعمارة إلا بالعدل‏.‏ والعدل الميزان المنصوب بين الخليقة نصبة الرب وجعل له قيماً وهو الملك وأنت أيها الملك عمدت إلي الضياع فانتزعتها من أربابها وعمارها وهم أرباب الخراج ومن تؤخذ منهم الأموال وأقطعتها الحاشية والخدم وأهل البطالة فتركوا العمارة والنظر في العواقب وما يصلح الضياع وسومحوا في الخراج لقربهم من الملك‏.‏ ووقع الحيف على من بقي من أرباب الخراج وعمار الضياع فانجلوا عن ضياعهم وخلوا ديارهم وآووا إلى ما تعذر من الضياع فسكنوها فقلت العمارة وخربت الضياع وقلت الأموال وهلكت الجنود والرعية وطمع في ملك فارس من جاورهم من الملوك لعلمهم بانقطاع القواد التي لا تستقيم دعائم الملك إلا بها‏.‏ فلما سمع الملك ذلك أقبل على النظر في ملكه وانتزعت الضياع من أيدي الخاصة وردت على أربابها وحملوا على رسومهم السالفة وأخذوا في العمارة وقوي من ضعف منهم فعمرت الأرض وأخصبت البلاد وكثرت الأموال عند جباة الخراج وقويت الجنود وقطعت مواد الأعداء وشحنت الثغور وأقبل الملأ على مباشرة أموره بنفسه فحسنت أيامه وانتظم ملكه‏.‏ فتفهم من هذه الحكاية أن الظلم مخرب للعمران وإن عائدة الخراب في العمران على الدولة بالفساد والانتقاض‏.‏ ولا تنظر في ذلك إلى أن الاعتداء قد يوجد بالأمصار العظيمة من الدول التي بها ولم يقع فيها خراب‏.‏ واعلم أن ذلك إنما جاء من قبل المناسبة بين الاعتداء وأحوال أهل المصر‏.‏ فلما كان المصر كبيراً وعمرانه كثيراً وأحواله متسعة بما لا ينحصر كان وقوع النقص فيه بالاعتداء والظلم يسيراً لأن النقص إنما يقع بالتدريج‏.‏ فإذا خفي بكثرة الأحوال واتساع الأعمال في المصر لم يظهر أثره إلا بعد حين‏.‏ وقد تذهب تلك الدولة المعتدية من أصلها قبل خراب المصر وتجيء الدولة الأخرى فترفعه بجدتها وتجبر النقص الذي كان خفياً فيه فلا يكاد يشعر به إلا أن ذلك في الأقل النادر‏.‏ والمراد من هذا أن حصول النقص في العمران عن الظلم والعدوان أمر واقع لا بد منه لما قدمناه ووباله عائد على الدول‏.‏ ولا تحسبن الظلم إنما هو أخذ المال أو الملك من يد مالكه من غير عوض ولا سبب كما هو المشهور بل الظلم أعم من ذلك‏.‏ وكل من أخذ ملك أحد أو غضبه في عمله أو طالبه بغير حق أو فرض عليه حقاً لم يفرضه الشرع فقد ظلمه‏.‏ فجباة الأموال بغير حقها ظلمة والمعتدون عليها ظلمة والمنتهبون لها ظلمة والمانعون لحقوق الناس ظلمة وغصاب الأملاك على العموم ظلمة ووبال ذلك كله عائد على الدولة بخراب العمران الذي هو مادتها لإذهابه الأمال من أهله‏.‏ واعلم أن هذه هي الحكمة المقصودة للشارع في تحريم الظلم وهو ما ينشأ عنه من فساد العمران وخرابه وذلك مؤذن بانقطاع النوع البشري وهي الحكمة العامة المراعية للشرع في جميع مقاصده الضرورية الخمسة من حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال‏.‏ فلما كان الظلم كما رأيت مؤذناً بانقطاع النوع لما أدى إليه من تخريب العمران كانت حكمة الحظر فيه موجودة فكان تحريمه مهماً‏.‏ وأدلته من القرآن والسنة كثيرة أكثر من أن يأخذها قانون الضبط والحصر‏.‏ ولو كان كل واحد قادراً عليه لوضع بإزائه من العقوبات الزاجرة ما وضع بإزاء غيره من المفسدات للنوع التي يقدر كل أحد على اقترافها من الزنا والقتل والسكر‏.‏ إلا أن الظلم لا يقدر عليه إلا من يقدر عليه لأنه إنما يقع من أهل القدرة والسلطان فبولغ في ذمه وتكرير الوعيد فيه عسى أن يكون الوازع فيه للقادر عليه في نفسه‏.‏ ‏"‏ وما ربك بظلام للعبيد ‏"‏‏.‏ ولا تقولن أن العقوبة قد وضعت بإزاء الحرابة في الشرع وهي من ظلم القادر لأن المحارب زمن حرابته قادر‏.‏ فإن في الجواب عن ذلك طريقين‏.‏ أحدهما أن تقول‏:‏ العقوبة على ما يقترفه من الجنايات في نفس أو مال على ما ذهب إليه كثير وذلك إنما يكون بعد القدرة عليه والمطالبة بجنايته وأما نفس الحرابة فهي خلو من العقوبة‏.‏ الطريق الثاني أن تقول‏:‏ المحارب لا يوصف بالقدرة لأنا إنما نعني بقدرة الظالم اليد المبسوطة التي لا تعارضها قدرة فهي المؤذنة بالخراب وأما قدرة المحارب فإنما هي إخافة يجعلها ذريعة لأخذ الأموال والمدافعة عنها بيد الكل موجودة شرعاً وسياسة فليست من القدر المؤذن بالخراب‏.‏ والله قادر على ما يشاء‏.‏ فصل‏:‏ ومن أشد الظلامات وأعظمها في إفساد العمران تكليف الأعمال وتسخير الرعايا بغير حق‏.‏ وذلك أن الأعمال من قبيل المتمولات كما سنبين في باب الرزق لأن الرزق والكسب إنما هو قيم أعمال أهل العمران‏.‏ فإذا مساعيهم وأعمالهم كلها متمولات ومكاسب لهم بل لا مكاسب لهم سواها فإن الرعية المعتملين في العمارة إنما معاشهم ومكاسبهم من اعتمالهم ذلك‏.‏ فإذا كلفوا العمل في غير شأنهم واتخذوا سخرياً في معاشهم بطل كسبهم واغتصبوا قيمة عملهم ذلك وهو متمولهم فدخل عليهم الضرر وذهب لهم حظ كبير من معاشهم بل هو معاشهم بالجملة‏.‏ وإن تكرر ذلك عليهم أفسد آمالهم في العمارة وقعدوا عن السعي فيها جملة فأدى إلى انتقاض العمران وتخريبه‏.‏ والله سبحانه وتعالى أعلم وبه التوفيق‏.‏ الاحتكار وأعظم من ذلك في الظلم وإفساد العمران والدولة التسلط على أموال الناس بشراء ما بين ايديهم بأبخس الأثمان ثم فرض البضائع عليهم بأرفع الأثمان على وجه الغصب والإكراه في الشراء والبيع‏.‏ وربما تفرض عليهم تلك الأثمان على التراخي والتأجيل فيتعللون في تلك الخسارة التي تلحقهم بما تحدثهم المطامع من جبر ذلك بحوالة الأسواق في تلك البضائع التي فرضت عليهم بالغلاء إلى بيعها بأبخس الأثمان وتعود خسارة ما بين الصفقتين على رؤوس أموالهم‏.‏ وقد يعم ذلك أصناف التجار المقيمين بالمدينة والواردين من الأفاق في البضائع وسائر السوقة وأهل الدكاكين في المآكل والفواكه وأهل الصنائع فيما يتخذ من الألات والمواعين فتشمل الخسارة سائر الأصناف والطبقات وتتوالى على الساعات وتجحف برؤوس الأموال ولا يجدون عنها وليجة إلا القعود عن الأسواق لذهاب رؤوس الأموال في جبرها بالأرباح ويتثاقل الواردون من الأفاق لشراء البضائع وبيعها من أجل ذلك فتكسد الأسواق ويبطل معاش الرعايا لأن عامته من البيع والشراء‏.‏ وإذا كانت الأسواق عطلاً منها بطل معاشهم وتنقص جباية السلطان أو تفسد لأن معظمها من أواسط الدولة وما بعدها إنما هو من المكوس على البياعات كما قدمناه‏.‏ ويؤول ذلك إلى تلاشي الدولة وفساد عمران المدينة‏.‏ ويتطرق هذا الخلل على التدريج ولا يشعر به‏.‏ هذا ما كان بأمثال هذه الذرائع والأسباب إلى أخذ الأموال وأما أخذها مجاناً والعدوان على الناس في أموالهم وحرمهم ودمائهم وأسرارهم وأعراضهم فهو يفضي إلى الخلل والفساد دفعة وتنتقض الدولة سريعاً بما ينشأ عنه من الهرج المفضي إلى الانتقاض‏.‏ ومن أجل هذه المفاسد حظر الشرع ذلك كله وشرع المكايسة في البيع والشراء وحظر أكل واعلم أن الداعي لذلك كله إنما هو حاجة الدولة والسلطان إلى الإكثار من المال بما يعرض لهم من الترف في الأحوال فتكثر نفقاتهم ويعظم الخرج ولا يفي به الدخل على القوانين المعتادة فيستحدثون ألقاباً ووجوهاً يوسعون بها الجباية ليفي لهم الدخل بالخرج‏.‏ ثم لا يزال الترف يزيد والخرج بسببه يكثر والحاجة إلى أموال الناس تشتد ونطاق الدولة بذلك يزيد إلى أن تنمحي دائرتها ويذهب رسمها ويغلبها طالبها‏.‏ والله أعلم‏.‏

فصول من تاريخ ابن خلدون

من آثار الهرم في الدولة انقسامها
اعلم أن أول ما يقع من آثار الهرم في الدولة انقسامها‏.‏ وذلك أن الملك عندما يستفحل ويبلغ من أحوال الترف والنعيم إلى غايتها ويستبد صاحب الدولة بالمجد وينفرد به يأنف حينئذ عن المشاركة ويصير إلى قطع أسبابها ما استطاع بإهلاك من استراب به من ذوي قرابته المرشحين لمنصبه‏.‏ فربما ارتاب المساهمون له في ذلك بأنفسهم ونزعوا إلى القاصية واجتمع إليهم من يلحق بهم مثل حالهم من الاغترار والاسترابة‏.‏ ويكون نطاق الدولة قد أخذ في التضايق ورجع عن القاصية فيستبد ذلك النازع من القرابة فيها‏.‏ ولا يزال أمر يعظم بتراجع نطاق الدولة حتى يقاسم الدولة أو يكاد‏.‏ وانظر ذلك في الدولة الإسلامية العربية حين كان أمرها حريزاً مجتمعاً ونطاقها ممتداً في الاتساع وعصبية بني عبد مناف واحدة غالبة على سائر مضر فلم ينبض عرق من الخلاف سائر أيامه إلا ما كان من بدعة الخوارج المستميتين في شأن بدعتهم لم يكن ذلك لنزعة ملك ولا رئاسة ولم يتم أمرهم لمزاحمتهم العصبية القوية‏.‏ ثم لما خرج الأمر من بني أمية واستقل بنو العباس بالأمر وكانت الدولة العربية قد بلغت الغاية من الغلب والترف وآذنت بالتقلص عن القاصية نزع عبد الرحمن الداخل إلى الأندلس قاصية دولة الإسلام فاستحدث بها ملكاً واقتطعها عن دولتهم وصير الدولة دولتين‏.‏ ثم نزع إدريس إلى المغرب وخرج به وقام بأمره وأمر ابنه من بعده البرابرة من أوربة ومغيلة وزناتة واستولى على ناحية المغربين‏.‏ ثم ازدادت الدولة تقلصاً فاضطرب الأغالبة في الامتناع عليهم‏.‏ ثم خرج الشيعة وقام بأمرهم كتامة وصنهاجة واستولوا على إفريقية والمغرب ثم مصر والشام والحجاز وغلبوا على الأدارسة وقسموا الدولة دولتين أخريين وصارت الدولة العربية ثلاث دول‏:‏ دولة بني العباس بمركز العرب وأصلهم ومادتهم الإسلام ودولة بني أمية المجددين بالإندلس ملكهم القديم وخلافتهم بالمشرق ودولة العبيديين بإفريقية ومصر والشام والحجاز‏.‏ ولم تزل هذه الدول إلى أن كان انقراضها متقارباً أو جميعاً‏.‏ وكذلك انقسمت دولة بني العباس بدول أخرى‏:‏ وكان بالقاصية بنو سامان فيما وراء النهر وخراسان والعلوية في الديلم وطبرستان وآل ذلك إلى استيلاء الديلم على العراقين وعلى بغداد والخلفاء‏.‏ ثم جاء السلجوقية فملكوا جميع ذلك‏.‏ ثم انقسمت دولتهم أيضاً بعد الاستفحال كما هو معروف في أخبارهم‏.‏ وكذلك اعتبره في دولة صنهاجة بالمغرب وإفريقية لما بلغت إلى غايتها أيام باديس بن المنصور خرح عليه عمه حماد واقتطع ممالك الغرب لنفسه ما بين جبل أوراس إلى تلمسان وملوية واختط القلعة بجبل كتامة حيال المسيلة ونزلها واستولى على مركزهم أشير بجبل تيطري واستحدث ملكاً آخر قسيماً لملك آل باديس وبقي آل باديس بالقيروان وما إليها ولم يزل ذلك إلى أن انقرض أمرهما جميعاً‏.‏ وكذلك دولة الموحدين لما تقلص ظلها ثار بإفريقية بنو أبي حفص فاستقلوا بها واستحدثوا ملكاً لأعقابهم بنواحيها‏.‏ ثم لما استفحل أمرهم واستولى على الغاية خرج على الممالك الغربية من أعقابهم الأمير أبو زكريا يحيى ابن السلطان أبي إسحاق إبراهيم رابع خلفائهم واستحدث ملكاً ببجاية وقسنطينة وما إليها أورثه بنيه وقسموا به الدولة قسمين ثم استولى على كرسي الحضرة بتونس ثم انقسم الملك ما بين أعقابهم ثم عاد الاستيلاء فيهم‏.‏ وقد ينتهي الانقسام إلى أكثر من دولتين وثلاث وفي غير أعياص الملك من قومه كما وقع في ملوك الطوائف بالأندلس وملوك العجم بالمشرق وفي ملك صنهاجة بإفريقية فقد كان لآخر دولتهم في كل حصن من حصون إفريقية ثائر مستقل بأمره كما تقدم ذكره‏.‏ وكذا حال الجريد والزاب من إفريقية قبيل هذا العهد كما نذكره‏.‏ وهكذا شأن كل دولة لا بد وأن يعرض فيها عوارض الهرم بالترف والدعة وتقلص ظل الغلب فيقتسم أعياصها أو من يغلب من رجال دولتها الأمر وتتعدد فيها الدول‏.‏ والله وارث الأرض ومن عليها‏.‏ في أن الهرم إذا نزل بالدولة لا يرتفع قد قدمنا ذكر العوارض المؤذنة بالهرم وأسبابه واحداً بعد واحد وبينا أنها تحدث للدولة بالطبع وأنها كلها أمور طبيعية لها‏.‏ وإذا كان الهرم طبيعياً في الدولة كان حدوثه بمثابة حدوث الأمور الطبيعية كما يحدث الهرم في المزاج الحيواني‏.‏ والهرم من الأمراض المزمنة التي لا يمكن دواؤها ولا ارتفاعها لما أنه طبيعي والأمور الطبيعية لا تتبدل‏.‏ وقد يتنبه كثير من أهل الدول ممن له يقظة في السياسة فيرى ما نزل بدولتهم من عوارض الهرم ويظن أنه ممكن الارتفاع فيأخذ نفسه بتلافي الدولة وإصلاح مزاجها عن ذلك الهرم ويحسبه أنه لحقها بتقصير من قبله من أهل الدولة وغفلتهم وليس كذلك فإنها أمور طبيعية للدولة والعوائد هي المانعة له من تلافيها‏.‏ والعوائد منزلة طبيعية أخرى فإن من أدرك مثلاً أباه وأكثر أهل بيته يلبسون الحرير والديباج ويتحلون بالذهب في السلاح والمراكب ويحتجبون عن الناس في المجالس والصلوات فلا يمكنه مخالفة سلفه في ذلك إلى الخشونة في اللباس والزي والاختلاط بالناس إذ العوائذ حينئذ تمنعه وتقبح عليه مرتكبه‏.‏ ولو فعله لرمي بالجنون والوسواس في الخروج عن العوائد دفعة وخشي عليه عائدة ذلك وعاقبته في سلطانه‏.‏ وانظر شأن الأنبياء في إنكار العوائد ومخالفتها لولا التأييد الإلهي والنصر السماوي‏.‏ وربما تكون العصبية قد ذهبت فتكون الأبهة تعوض عن موقعها من النفوس‏.‏ فإذا أزيلت تلك الأبهة مع ضعف العصبية تجاسرت الرعايا على الدولة بذهاب أوهام الأبهة فتتدرع الدولة بتلك الأبهة ما أمكنها حتى ينقضي الأمر‏.‏ وربما يحدث عند آخر الدولة قوة توهم أن الهرم قد ارتفع عنها ويومض ذبالها الماضة الخمود كما يقع في الذبال المشتعل فإنه عند مقاربة انطفائه يومض إيماضة توهم أنها اشتعال وهي انطفاء‏.‏ فاعتبر ذلك ولا تغفل سر الله تعالى وحكمته في اطراد وجوده على ما قدر فيه‏.‏ ‏"‏ ولكل أجل كتاب ‏"‏‏.‏

dimanche, mai 21, 2006

بنية وآليات انتاج العنف السياسي الاجتماعي فى مصر

يناير 77

انتخابات سبتمبر 2005

قوات الامن تحاصر نقابة الصحفيين

الحراك السياسي 2005/2006

صور وكالات الأنباء

آليات انتاج العنف السياسي الاجتماعي فى مصر

دورة التراكم والانفجار

المتأمل لظواهر العنف السياسي الاجتماعي فى المجتمع المصري خلال الخمسين عاما الماضية يلحظ ان ثمة دورة زمنية تقترب من السنوات الخمس تفصل بين كل انفجار وآخر بدءا من عام 1954 وحتى الآن. مثل هذا التكرار المنتظم يطرح سؤالا منهجيا عن أسباب و آليات انتاج العنف السياسي الاجتماعي فى مصر. لكن قبل ان نعدد الأسباب ونعرض للآليات التى تحكم ظواهر العنف هذه، سنقدم بداية عرضا سريعا لهذه الظواهر حتى نذكر القارئ بها وبالتالي يصبح مشاركا فى التفكير وليس مجرد متلقيا لوجهة نظر، ذلك ان هذه الظواهر التى نعرض لها لم تعد وجهة نظر انما هى الآن حقائق تاريحية لا يستطيع احد ان ينفيها إلا اذا كان ممن لايقرأون التاريخ. لكن قبل ذلك اشير الى ان العرض التالي يتناول ما يمكن تسميته بظواهر العنف السياسي الاجتماعي الكبرى التى يمتد تأثيرها الى المستوى الوطني ومن هنا فهذا العرض لايشمل مئات بل آلاف ظواهر العنف اليومي المستمر التى يشهدها المجتمع المصري مثله مثل كل المجتمعات التى تشهد ذلك بدرجات مختلفةوفقا لما يتميز به كل منها من تماسك وتجانس ودرجة نمو وتقدم سياسي واجتماعي.

دورة التراكم والانفجار

الفترة الناصرية

يمكننا ان نرصد ثلاث دورات واربع انفجارات للعنف خلال فترة الحكم الناصرى وهي

1954 : أزمة مارس ومذبحة الجامعة وحادث المنشية

أزمة مارس1954 التى وقعت بين اتجاهات مختلفة من الضباط الذين قاموا بحركة الجيش عام 1952 ثم كذلك ما عرف بمذبحة الجامعة المتثملة فى فصل وإبعاد عدد كبير من اساتذة الجامعات الذين تقدموا بوثيقة تطالب بالاصلاح السياسي والديموقراطي ثم محاولة اغتيال جمال عبد الناصر بميدان المنشية بالاسكندرية وما تبعها من اعتقالات واسعة ومحاكمات. 1959 الاعتقالات الواسعة فى صفوف الحركة الشيوعية

بعد دورة زمنية تقترب من الخمس سنوات جاءت حملة الاعتقالات السياسية الواسعة النطاق فى صفوف قوى اليسار وتحديدا بين الشيوعيين عام 1959 وتخللها عمليات تعذيب موثقة أدت الى مصرع شهدي عطية الشافعي والدكتور حداد

. 1964: الاعتقالات الواسعة فى صفوف حركة الاخوان

فى عام 1964 وبعد دورة امتدت الى حوالي السنوات الخمس قام النظام الناصري بحملة جديدة من الاعتقالات الواسعة النطاق شملت هذه المرة تنظيمات وقيادات حركة الاخوان المسلمين اعقبها محاكمات سياسية اصدرت احكاما مختلفة من بينها اربعة احكام بالاعدام شملت سيد قطب المرشد العام للحركة

1968: إنتفاضة الطلاب والعمال

فى فبراير عام 1968 وللمرة الاولى منذ قيام نظام يوليو اندلعت مظاهرات واسعة النظاق للطلاب والعمال مطالبة بالاصلاح السياسي والديموقراطية وإنهاء سيطرة الحزب الواحد وهو الاتحاد الاشتراكي والاجهزة الأمنية والسياسية المرتبطة به ومحتجة على الاحكام المخففة التى صدرت بحق ضباط الطيران الذين تحملوا مسئولية رئيسية فى هزيمة يونيو 67 ، تلا ذلك حملة اعتقالات بين قيادات هذه الانتفاضة اعقبها صدور بيان 30 مارس الشهير الذي حاول احتواء مطالب هذه الانتفاضة ولكن لم ينفذ منه اي شئ.

فترة حكم السادات

بعد وفاة عبد الناصر فى سبتمبر 1970 وتولى السادات الحكم، وكما بدأ نظام يوليو ابان فترة الحكم الناصري بمحاكمات سياسية شملت القوى السياسية التى كانت سائدة ومهيمنة على المسرح السياسي فى المجتمع المصري قبل 52، بدأ السادات فترة حكمه بما عرف بتصفية مراكز القوى وهو تعبير استخدم لوصف حملة الاعتقالات التى قام بها السادات لقيادات الحكم نفسه من مسئولي الاتحاد الاشتراكي والاعلام والجيش والمخابرات والداخلية الخ . وبصرف النظر عن الظروف المحتدمة داخليا بسبب استمرار الاحتلال الاسرائيلي فإن دورة التراكم جاءت فى موعدها بعد انتفاضة فبراير 68 بخمس سنوات تقريبا

1972: الحركة الطلابية فى الجامعات

اندلعت الحركة الطلابية خلال عامي 1972 و 1973 رافعة نفس مطالب الاصلاح السياسي والديموقراطي التى لم تنقطع منذ عام 54 بالاضافة الى المطالب المتعلقة بالقضية الوطنية وتحرير الاراضي المحتلة. تكرر نفس السيناريو الخاص بحملات الاعتقالات التى شملت قيادات الحركة كما تم إعداد قضايا ومحاكمات لهذه القيادات

. : إنتفاضة يناير1977 دورة التراكم والانفجار ظلت وفية لموعدها على الرغم من الانتصار العسكري الذي تم فى حرب اكتوبر ثم فرغ واجهض سياسيا بعد ذلك حيث اندلعت انتفاضة يناير 77 والتى شملت محافظات مصر من اسوان الى اقصى الشمال فى اسكنرية ومطروح. نفس السيناريو يتكرر لكن هذه المرة مع ازدياد فى مستوى العنف والعنف المضاد. عجزت قوات الامن عن السيطرة على الاحداث وتم فرض حظر التجول ونزل الجيش الى الشوارع وبلغ عدد القتلى وفقا للبيانات الرسمية 177 قتيلا واعقب ذلك نفس السيناريو من المحاكمات لمجموعات سياسية يسارية اتهمت بالتحريض على وقيادة الانتفاضة

.

1981 : إعتقالات سبتمبر وإغتيال السادات

بعد خمس سنوات من التراكم جاء موعد الانفجار فى سبتمبر 1981، بعد ارتفاع حاد فى الاحتقان الداخلي اقبل السادات على اعتقال أكثر من 1500 من السياسيين من كافة الاتجاهات شملت شخصيات ورموزا أساسية لنظام يوليو ذاته بل وشخصيات عملت مع السادات نفسه واعقب ذلك بعدة ايام إغتيال السادات اثناء العرض العسكري فى السادس من اكتوبر 1981 .

فترة حكم مبارك

بدأ الرئيس الحالي فترة حكمه بعد إغتيال السادات بتكرار نفس السيناريو الذي بدأ به كل من عبد الناصر والسادات فترة حكمهما أي بمحاكمات سياسية لشخصيات العهد السابق عليه وسميت هذه المحاكمات بمحاكمات الفساد التى شملت العديد من الشخصيات كان من بينها شقيق السادات ورشاد عثمان

1986 تمرد قوات الامن المركزي

تمرد قوات الامن المركزي 1986

لم يتغير شئ فى آليات دورة التراكم والانفجار، فى الموعد المفترض لها أي بعد خمس سنوات من حملة سبتمبر واغتيال السادات جاء ماعرف بتمرد قوات الامن المركزي فى فبراير 1986 . تمردت فرق متعدد من قوات الامن المكلفة بحفظ النظام ومواجهة الانتفاضات والتحركات الجماهيرية وامتد هذا التمرد الى عدة محافظات فى نفس الوقت. لأن الانفجار حدث فى جهاز الامن ذاته وبالتحديد فى جهاز الامن المركزي المنوط به حفظ الامن ومواجهة الاضطرابات والخروج عن النظام العام، استدعى النظام قوات الجيش التى نزلت الى الشوارع لتشتبك مع قوات الأمن، فرض حظر التجول وسقط ستين قتيلا وفقا للبيانات الرسمية وتم إحالة 1236 من جنود الامن و 31 مدنيا الى محاكم امن الدولة المشكلة وفقا لقانون الطوارئ.

اندلاع موجة العنف المسلح للجماعات الاسلامية سنوات التسعينيات

استكملت دورة التراكم مدتها وجاء موعد الانفجار بعد حوالي خمس سنوات وفقا للآليات التى تحكم هذه الدورة ومع بداية التسعينيات انفجرت موجة العتف المسلح لجماعات الاسلام السياسي التى اسفرت عن سلسلة من المواجهات المسلحة والاغتيالات ومحاولات الاغتيال لشخصيات من كبار رجال الأمن مثل حسن ابو باشا ومفكرين وكتاب مثل فرج فوده ومكرم محمد احمد وسياسيين مثل رئيس مجلس الشعب رفعت المحجوب الخ

حادث الأقصر واستمرار عمليات الاغتيالات 1996/1997

بعد دورة التراكم الجديدة وعلى الرغم من ظهور تغير نوعي فى ظاهرة العنف يتمثل فى تحوله من العنف الانفجاري الدوري الى العنف المنتشر والممتد مع بداية التسعينيات، إلا ان آليات دورة التراكم والانفجار ظلت كما هى لتؤكد صحة هذا الافتراض. وفى موعد يقارب موعد الانفجار المتوقع وفقا لآليات دورة التراكم جاء حادث الاقصر المعروف عام 1997 والإعتداء على الكاتب الكبير نجيب محفوظ. لم يكن حادث الاقصر مجرد استهداف لأفواج السياح من قبل جماعات اسلامية مسلحة تعتنق افكارا دينية متخلفة ومشوهة، بل كان فى نفس الوقت تعبيرا جليا عن استمرار حالة الاحتقان السياسي والاصرار على مواجهة نفس الظواهر بنفس العقلية الامنية دون تحليل او فهم للأسباب والآليات التى تنتج وتعيد انتاج هذه الظواهر

2000 تصاعد حاد فى استخدام العنف والبلطجة السياسية فى الانتخابات

استوفت دورة التراكم مدتها الزمنية لتعود مرة اخرى بعد احداث العنف المسلح التى امتدت حتى منتصف التسعينيات كي يظهر نوع جديد من اشكال العنف الذي شهدته الانتخابات البرلمانية عام 2000 والتى سقط فيها عدد غير قليل من القتلى وسجلت مواجهات عنيفة بين العنف المؤمم أي عنف الدولة المتثمل فى اجهزتها الامنية والعنف المخصخص المتمثل فى عنف التنظيمات والتجمعات السياسية

2005/2006 تصاعد الحراك السياسي وتأكيد ظاهرة البلطجة والمال السياسي

استكملت دورة التراكم الاخيرة مدتها الزمنية لنتوقع الانفجار فى موعده عام 2006 حيث تشهد الحياة السياسية ما اصبح يعرف بالحراك السياسي الذي شمل فئات كثيرة واساسية من قطاعات المجتمع المصري مثل الصحفيين وأساتذة الجامعات والقضاة وحركات مثل كفاية والعديد من الحركات المهنية من أجل التغيير . لكن فى مواجهة ذلك كان هناك اصرار على اتباع نفس الاساليب الامنية فى مواجهة الظواهر السياسية والاجتماعية وهو ما ادى الى ما شهدناه جميعا من احداث عنف وفساد للمال السياسي دخلت قاموس المصطلحات السياسية المصرية واعتمدت تحت اسم البلطجة. مرة اخرى تطرح ظاهرة العنف السياسي الاجتماعي فى المجتمع المصري باشكالها المختلفة سواء البلطجة المباشرة أو استخدام المال السياسي بحدة للنقاش. لقد انحصر العنف بشكل واضح وجلي بين نوعين من العنف بحيث يمكن القول ان الصراع يدور حاليا بين خصخصة العنف من قبل الدولة التى تستخدم جماعات من البلطجية تحت حماية قوات الامن لمواجهة الحركات النشطة المطالبة بالاصلاح والتغيير وبين استخدام نفس جهاز الامن فى مواجهة الحركات الاجتماعية والحراك السياسي المتصاعد بحدة فى المجتمع المصرى.

العرض السابق جزء من الاستنتاجات التى توصلت اليه دراستين جامعتين وسنستكمل بقية النتائج فى الاعداد القادمة